سيد محمد طنطاوي

194

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأن يوبخ هؤلاء اليهود ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية ، وإيذاء أتباعها ومحاولتهم صرف الناس عنها . أي : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات : لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات اللَّه السمعية والعقلية الدالة على صدقي فيما أبلغه عن ربي ، والحال أن اللَّه مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد لأعمالكم الظاهرة والخفية ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم . فالآية الكريمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر ، وتهديدهم بالعقاب إذا استمروا في مسالكهم الأثيمة . ولكي يكون التأنيب أوجع ، أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يناديهم بقوله : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ ) * ، لأن علمهم بالكتاب يستلزم منهم الإيمان ، والإذعان للحق ، ولكنهم اتخذوا علمهم وسيلة للشرور والتضليل فكان مسلكهم هذا دليلا على فساد فطرتهم ، وخبث طويتهم ، وسوء طباعهم . وبعد أن أنبهم القرآن الكريم في هذه الآية على كفرهم وضلالهم ، أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في آية ثانية أن يوبخهم على محاولتهم إضلال غيرهم فقال - تعالى - : * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وأَنْتُمْ شُهَداءُ ) * وقوله : * ( تَصُدُّونَ ) * من الصد وهو صرف الغير عن الشيء ومنعه منه . يقال : صد يصد صدودا ، وصدا . وقوله : * ( سَبِيلِ اللَّه ) * أي طريقه الموصلة إليه وهي ملة الإسلام . وقوله : * ( تَبْغُونَها عِوَجاً ) * أي تطلبون لها العوج . يقال : بغيت له كذا أي طلبته والعوج - بكسر العين - الميل والزبغ في الدين والقول والعمل وكل ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج . والعوج - بفتح العين - يكون في المحسوسات كالميل في الحائط والرمح وكل شيء منتصب قائم أي أن مكسور العين يكون في المعاني ومفتوحها في الأعيان . والمعنى : قل يا محمد لأهل الكتاب مرة أخرى مبالغة في تقريعهم وإزاحة لأعذارهم . لأي شيء تصرفون المؤمنين عن الإيمان الحق ، وتمنعون من آمن بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن الاستمرار على اتباعه ، وتثيرون الفتنة والوقيعة بين أصحابه . وقوله : * ( تَبْغُونَها عِوَجاً ) * أي تطلبون العوج والميل لسبيل اللَّه الواضحة والميل بها عن القصد والاستقامة ، وتريدون أن تكون ملتوية غير واضحة في أعين المهتدين ، كما التوت نفوسكم ، وانحرفت عقولكم .